أفتــان أنت ؟
islamword.com

islamword | كلمة الآسلام الخميس, الـ 19 من مايو 2011 م

 لو رأيته لرأيت فتى أدعج العينين براق الثنايا طويلاً جميلاً، تشع من عينيه وقدة ذكاء تكسوه مهابة على حداثة سنه فهو لم يجاوز العشرين من عمره إلا قليلاً، وله مكانة وقرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا معاذ والله إني لأحبك في الله". فقال معاذ: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله وأبان رسول الله مكانته فقال: " يحشر معاذ يوم القيامة أمام العلماء" وقال: " أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ" . وكان رابع أربعة جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

وقد حوى معاذ هذا العلم بملازمة واعية للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يأتي من منازل قومه بني سلمة فيصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ويحضر مجالسه فإذا صلى العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى قومه فإذا هم ينتظرونه ليصلي بهم فهو أقرأهم وأعلمهم فيصلي بهم العشاء نافلة له وفريضة لهم.

   وقد حصل لهذا الفتى القارئ العالم موقف ذو دلالات عظام، فقد صلى معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق إلى قومه بني سلمة فإذا هم ينتظرونه كعادتهم فصلى بهم صلاة العشاء فاستفتح صلاته بقراءة سورة البقرة فكان وهو الشاب القارئ يترسل في قراءة سورة البقرة التي هي أطول سورة في القرآن بحيث يظن من يستمع إليه أنه سيتمها في صلاته.

  وكان وراءه شاب قد قضى يومه في العمل بيده والسقي على بعيره حتى كل وجهد فلما طال عليه ذلك ورأى معاذاً مسترسلاً في هذه السورة الطويلة ولا طاقة له -وهو المجهود من العمل- بطول القيام انحرف وأتم صلاته وحده بصلاة خفيفة تجوز فيها، ثم خرج فأخذ بخطام بعيره وانطلق، فلما صلى معاذ أُخبر خبر ذلك الرجل فقال: إنه منافق، فبلغت كلمة معاذ ذلك الفتى فذهب من الغد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ومعاذ عنده: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وإن معاذاً يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطول علينا، وإنه صلى بنا البارحة فقرأ سورة البقرة فتجوزت فزعم أني منافق. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: يا معاذ أفتان أنت، أفتان أنت، أفتان أنت؟ إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذا الحاجة. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفتى الأنصاري فقال: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ فقال: أقرأ بفاتحة الكتاب ثم أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، وأني والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ومعاذ حولها ندندن. ثم قال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم، يعني قريشًا، وقد علموا أن قريشًا قد دنوا لمعركة أحد. فلما كانت معركة أحد كان هذا الفتى ممن قاتل فيها واستشهد فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لمعاذ: ما فعل خصمي وخصمك؟ قال معاذ: يا رسول صدق الله وكذبت، استشهد

أولى دلالات هذا المشهد هي الفصل بين مكانة العبادة وطريقة أدائها، فالصلاة هي أعظم أركان الدين بعد الشهادتين وهي عمود الإسلام وقرة عيون المؤمنين، ولكن أداءها بما يشق على المصلين خطأ يغضب النبي صلى الله عليه وسلم منه ويعاتب بشدة عليه. وإن هذا الفصل بين الدلالة الشرعية والاجتهاد البشري في تطبيقها واضحة في السنة فما غضب النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة قط كما غضب من إمام يطيل صلاة الفجر وقال:"يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمّ الناس فليوجز أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل عليه (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً). ومثل ذلك شديد إنكاره على أسامة بن زيد حين قتل رجلاً بعد أن قال : لا إله إلا الله أنه قتله في معركة جهاد في سبيل الله، وضمن سرية سيرها رسول الله. وكذا غضبه صلى الله عليه وسلم ممن تصدق بماله كله فرمى بماله عليه مغضباً، وقال: " يأتي أحدكم بماله كله فيتصدق به ويتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى" . مع أنه صلى الله عليه وسلم هو القائل: والصدقة برهان  .

إن هذا الفصل بين فضل الشعيرة ومكانتها وبين تطبيقها وطريقة أدائها جعلت الفعل في متناول النقد والترشيد والخطأ في متناول التصحيح. ثم حصل الخلط بعد بين فضائل الأعمال وطريقة أدائها فكما أن هناك من يشق على الناس بخطئه في إقامة الصلاة التي هي عمود الإسلام فإن هناك من يهلك الناس بخطئه في إقامة الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، وهناك من يضار الناس بخطئه في إقامة شعيرة النهي عن المنكر والتي هي عصمة الأمة من الهلكة، ومن يمل الناس إلى حد العنت بسبب خطئه في أداء الموعظة التي هي إحياء للقلوب وهكذا في مثل ذلك.

وإن وقوع الأخطاء في إقامة الشعائر مما ينبغي أن نتوقع وقوعه ولن ننتظر في إقامة الشعائر أن يقيمها رسل معصومون أو ملائكة مطهرون، ولكن الخطأ المضاعف أن نحتمي من نقد الخطأ في إقامتها بالنصوص في أصل مشروعيتها، فإذا أخطأنا في إطالة الصلاة احتمينا بمثل (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) وإذا أخطأنا في إقامة الجهاد تترسنا من النصح والنقد بمثل (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وإذا أخطأنا في إقامة النهي عن المنكر دفعنا النقد بمثل (حتى لا تغرق السفينة) (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) وهكذا نجتال دلالات النصوص من كونها أدلة على فضل العمل وأهميته إلى كونها أدلة لنا في خطئنا في إقامته.

 أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي أبان عن المنهج السوي بقوله عند الخطأ في إقامة الصلاة:"يا معاذ أتريد أن تكون فتاناً" " يا أيها الناس إن منكم منفرين".

وقال عن الخطأ في إقامة الجهاد:"أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله" "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وبذلك كانت الأعمال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم على جادة الترشيد والتسديد، والأخطاء على جادة التصحيح والتقويم.

عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: سمعت عمر على المنبر يقول: أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده، قالوا: كيف ذاك أصلحك الله؟ قال: يكونحدكم إماماً فيطول على القوم حتى يبغض إليهم ما هم فيه. واليوم نقول: رحم الله أمير المؤمنين فكم بغضنا إلى عباد الله من شعائر الله فاللهم  غفراً  .



كتبه / عبدالوهاب الطريري