مهـــلاً
islamword.com

islamword | كلمة الآسلام الخميس, الـ 19 من مايو 2011 م

اختارت هذه الطائفة من يهود يثرب وطناً ، ولقد تجاوزوا في طريقهم إليه أماكن أكثر خصباً وجمالاً وغنى كوادي القرى ، وذلك لأنهم كانوا يتتبعون صفة الأرض التي يهاجر إليها النبي الذي سيتبعونه ، وكانوا يتحدثون عن نبي يبعث في أرض ذات حرار ونخل ، ولذا اختاروا هذه الأرض وسكنوها انتظاراً لبعثة هذا النبي ومهاجره ، (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) فكانوا يستنصرون به ويتوعدون مشركي العرب ببعثته .

   وقد بُعث هذا النبي المبشر به كما انتظروا ، وهاجر إلى أرضهم كما توقعوا، ولكنه لم يبعث منهم ، وإنما بعث من العرب (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) حسداً وبغياً ألا يكون بعث منهم ( فلعنة الله على الكافرين) جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتعامل مع اليهود بعظمته الأخلاقية التي وصفه بها ربه يوم قال : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .

     أما هم فإن قلوبهم ظلت مغلقة على سواد الحقد والحسد ، ولذلك كانت تصرفاتهم وكلماتهم تعلن ما تضمره قلوبهم ، ومن ذلك : أن رهطاً منهم استأذنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فلما حيوه ، قالوا : السام عليك يا أبا القاسم ، ولم يقولوا : السلام عليكم - والسام هو الموت - وحرفوا الصيغة حتى تبدو الكلمة بريئة في ظاهرها ، وإن كانت لئيمة في باطنها ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمها ، فقال مجيباً لهم :(وعليكم) ، وفهمتها عائشة رضي الله عنها ، والتي كانت الزيارة في بيتها ؛ فغضبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت لهم : بل عليكم السام والذام [أي المذمة والخزي ] ، ولعنكم الله وغضب عليكم ، فأقبل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : (مهلاً يا عائشة لا تكوني فاحشة ، وإياك والعنف والفحش ، فإن الله تبارك وتعالى لا يحب الفاحش المتفحش ، وعليك بالرفق ، فإن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله) ، قالت يا رسول الله : أولم تسمع ما قالوا ؟ قالوا : السام عليكم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أولم تسمعي ما قلت لهم ؟ أليس قد قلت: وعليكم ، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ، يا عائشة !لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه ، ولم ينزع من شيء إلا شانه )

 

وبقيت لنا وقفات مع الحديث :

*1-  التعامل النبوي مع اليهود ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل معهم بما دله عليه خلقه الكريم العظيم ، من الرفق والتواصل برغم مسلسل مكائدهم المتوالي ، وبرغم ما كانت فلتات ألسنتهم تبينُ مما تكنُ صدورهم، ومع ذلك عاملهم بالتي هي أحسن ما وسعهُ ، ودفع بالتي هي أحسن ما وسعهُ ، وهل أعظم وأكرم من أن يفتح لهم مصارع أبوابه ، وأن تطأ أرجلهم فراش بيته ، فيدخلون إليه في حجراته المطهرة التي أذهب الله تعالى عنها الرجس وطهرها تطهيرا ، إن هذا يبنُ جانب الثقة غير المتناهية في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معهم ، وبذله الجهد في الاحتواء والتألف والدعوة والهداية ما وسعهُ ، ولذلك كانت هذه الزيارات منهم إليه في بيته ، ومنه إليهم في بيوتهم وفي مدراسهم تبينُ جانب الوثوق برسالته والرقي الأخلاقي في تعامله صلى الله عليه وسلم .

*2-  نلاحظ نهي النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عن الفحش مع أنها إنما غضبت له صلى الله عليه وسلم ، وأنه سمع الاستثارة التي أثارتها كما سمعتها هي، ومع ذلك نهاها عن الفحش حتى لا تعتاده، لأن هذه الخصلة لا تصلح صفة للمؤمنين ؛ فهي مما لا يحبه الله ، وما لا يحبه الله يتجافى المؤمن عنه ويتوقاه ، ويحرص أن لا يكون من خلقه وسمته ، ولذلك كان في موقف النبي صلى الله عليه وسلم تربية لعائشة رضي الله عنها ، مع أن الذي صدر من اليهود كان أقبح ، ولكنه كان يتعاهد نقاء عائشة أن يشوبه شيء من الفحش .

 أما يهود فإنه كان يبقى حبال التواصل معهم لعل قلوبهم أن تقبل ، ولعل استجابتهم أن تأتي ، ولتقوم مع ذلك حجة الله البالغة عليهم .

*3-  نلاحظ عنايته صلى الله عليه وسلم بالرفق يوم أمر به عائشة رضي الله عنها ورغبها فيه ، وأخبر أنه صفة الله التي يحبها عز وجل من عباده في أمورهم كلها ، وأنه يزين كل شيء يدخله ، ويشين كل شيء ينزع منه ، والعجيب أن يستعمل الرفق ويأمر به حتى مع يهود الذين أخبره ربه أنهم أشد الناس عداوة، وهم الذين بادؤوه بالسوء، وبطريقة تدل على الاستخفاف بالمخاطب ، فلو كان أحد يستثنى من الرفق لكانوا هم اليهود وفي هذا الموقف ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستعمال الرفق معهم ، ولا عجب فهو الذي حرض علي الرفق في الأمور كلها.

وبقي أن نتساءل إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الرفق وأمر به مع أشد الناس عداوة فما مدى استعمالنا الرفق في حياتنا وفيما بيننا ومع إخواننا الذين تربطنا بهم وشيجة الدين وولاية الإسلام ، وكيف سيكون حال مجتمعنا لو زانه الرفق في أموره كلها .

*4-  نلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم قد فهم خطابهم وما قالوه ، ومع ذلك لم يتجاوز - بأبي هو وأمي - في رده عليهم بأكثر مما قالوا ، فقال : (وعليكم) ، فما قالوه رده عليهم من غير بغي أو زيادة أو تجاوز .

وهذا غاية العدل في الرد ، فهم لو حيوه بتحية طيبة لردها بأحسن منها ، أما عندما حيوا بتحية سيئة ردها عليهم بمثلها ، ولم يزد صلى الله عليه وسلم ، بل لم يترتب على هذا الموقف أي تداعيات أخرى لاحقة ، وقد كان صلى الله عليه وسلم في موقع الزعامة والقيادة والقدرة على ذلك لو أراد .

*5-  نلاحظ الأمن العام الذي بثه النبي صلى اله عليه وسلم في المدينة بحيث أصبح كلٌّ يشعر أنه في خفارة محمد صلى الله عليه وسلم ، فاليهود يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم في حجراته وهم آمنون ، بل إنهم عندما حيوا النبي صلى الله عليه وسلم هذه التحية المعوجة لم يقولوا كلمة لا يستطيع فهمها إلا هم ، فقد فهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوراً فقال : (وعليكم) ، وفهمتها عائشة رضي الله عنها على حداثة سنها، ولكنهم كانوا يعيشون في خفارة الأمن النبوي ، ويعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يبغى أو يتجاوز في عقوبتهم أو يتشفي بالانتقام منهم.

*6-  من النفوس نفوس مجدبة لا تفيد معها العظمة الأخلاقية ، ولا تطفىء أحقادها روعة التعامل وجمال التواصل وحسن العهد ، وهذا ما ظهر في هذه الطائفة من يهود برغم حسن تواصل النبي صلى الله عليه وسلم معهم حتى فتح لهم بيته ، وأوطأهم فراشه إلا أن نفوسهم المظلمة أبت إلا تخرج نفثات من حقدها ، ولو بهذه التحية المحرفة وهم أهل تحريف الكلم عن مواضعه ، ولكن نبيك صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بمبادئه وبخلقه وبعظمته هو ، وليس بمبادئهم وأخلاقهم هم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله وأزواجه .