اللهم عليك بقريش
islamword.com

islamword | كلمة الآسلام الخميس, الـ 19 من مايو 2011 م

 

 

    نحو من ثلاثين سنة مرت عليه ، ولا يزال ذاك المشهد يترائى له كأنما هو الساعة ينظر إليه .

    وها هو جالس في بيت المال في الكوفة ، وكان والي بيت المال ؛ وحوله التابعون بإحسان ، يروى لهم خير ما رأى ، وفي روايته علي حال تلك آية ربانية ومعجزة نبوية ، يعود عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حديثه إلي سنوات الدعوة النبوية في مكة ، وقد توفى أبو طالب ، وجرأت قريش علي ما لم تكن تجرؤ عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحدثهم عن ذلك اليوم من أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  تلك يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  المسجد الحرام ثم انتصب   يصلي في ظل الكعبة ، يقوم فيطل القيام  ، ويركع فيطيل الركوع ، ويسجد فيطيل السجود ، وكان أبو جالساً  في الحجر  ، وحوله ملأ من كفار قريش ،يذكرهم عبد الله ، ويعذبهم كأنهم أمام عينيه : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعمارة بن الوليد ، وعقبة بن أبي معيط .

    فلما رأى أبو جهل طول سجود رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أقبل علي أصحابه فقال : ألا ترون إلي هذا المرائي ، أيكم يقوم إلي جذور بني فلان – وكانوا قد نحروا جذورا بالأمس في ناحية مكة – فيأخذ من فرثها ودمها وسلاها ، ثم يمهل محمداً حتى يضع وجهه ساجداً ، فيضعه علي ظهره ؟ فكأنهم هابوه فقال أشقاهم عقبة بن أبي معيط : أنا . فانطلق إلي بقايا تلك الجذور ، فاحتمل من فرثها وسلاها ، فأتى به ، ثم انتظر حتى إذا سجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ألقاه بين كتفيه ، فضجوا يضحكون ، حتى جعل بعضهم يميل علي بعض من شدة الضحك ، تهكماً وسخرية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ساجداً ما يرفع رأسه . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : وأنا قائم أنظر ، لا أغني شيئا ليس عندي عشيرة تمنعني ، فأنا أخافهم ، ولو كان لي منعة لطرحته علي ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق إنسان إلي فاطمة بنت محمد رضي الله عنها فأخبرها فأقبلت عليه وهي جويرة تسعى ، فطرحته علي ظهره ، ثم أقبلت عليهم تسبهم ، ودعت علي من وضع ذلك ؛ فلم يردوا عليها شيئاً ، ورفع النبي رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده ، فلما قضى صلاته استقبل البيت ، وكانت صلاته إلي بيت المقدس ، فرفع صوته يدعو ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد  : اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش " .

    وكان إذا دعا دعا ثلاثاً ، وإذا سأل سأل ثلاثاً ، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك ، وخافوا دعوته ، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة .

    ثم سمى  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فقال : " اللهم عليك بأبي الحكم ابن هشام ، وعليك بعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد " . حتى عدهم سبعتهم .

     قال ابن مسعود : ولم أره دعا عليهم إلا يومئذ  . ولم تمض سنوات خمس حتى كان هؤلاء في جيش المشركين الذي خرج من مكة بطراً ورئائ الناس ليستأصلوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة ودارت معركة بدر ، وتنزل نصر الله علي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحاقت بالمشركين شر هزيمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو في ميدان المعركة : " من ينظر ما فعل أبو جهل ؟ " فقال عبد الله بن مسعود : أنا يا رسول الله . فانطلق يبحث عنه في القتلى ، فوجده مثخناً في رمقه الأخير ، فأخذ بلحيته وقال : أأنت أبو جهل ؟ الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله . قال أبو جهل : أخبرني لمن الظفر اليوم لنا أو علينا ؟ قال ابن مسعود : لله ولرسوله . وهكذا شهد ابن مسعود أبا جهل في بدر ذليلاً خاسراً ، كما شهده في مكة متكبراً باغياً .

     أما بقية السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ز فقد قال عبد الله بن مسعود : والذي بعث محمداً بالحق ، لقد رأيت الذي سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صرعى يوم بدر ، قد غيرتهم الشمس – وكان يوماً حاراً – ثم سحبوا إلي قليب بدر ، فألقوا فيها ، إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه تقطعت أوصاله ؛ لأنه كان بديناً ، فدفن مكانه .

    وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في بدر ثلاثة أيام ، وكان إذا ظهر علي قوم أقام بعرصتهم ثلاثاً . فلما كان اليوم الثالث أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم   براحلته ، فشد عليها ، ثم انطلق ماشياً  ، واتبعه أصحابه ، وقالوا : ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته . حتى وقف علي  شفير القليب التي طرحوا فيها فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : "يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، يا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم  الله ورسوله ؟  إني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً " . وعجب الصحابة من ذلك ، وقالوا : يا رسول الله  كيف يسمعون ، وأنى يجيبون ، وقد تركتهم ثلاثة أيام حتى جيفوا ، إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم   : " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئاً " .

لقد أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ؛ توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندماً

 

   *1 – يستننطقني هذا المشهد بالصلاة والسلام علي ذاك النبي الكريم العظيم والذي هذا بعض ما أصابه في سبيل بلاغ رسالات الله إلينا .

    فأي ألم أمض من أن يشعر وهو مستغرق في حال مناجاة قدسية  بان الجراءة قد وصلت بهم إلي إلقاء القذر علي ظهره الشريف  ، وهو يناجي الله بجوار بيت الله ؟

أي ألم أمض من أن يسمع ضحكات الملأ من قريش – أعداء رسالته – وهم يتمايلون ضحكاً وتهكماً وسخرية به صلى الله عليه وسلم  ، فيتجرع وهو علي حاله تلك مرارة شماتة الأعداء  ؟

    أي ألم أمض  ألا يجد من ينصره في ساعته تلك  إلا بنيته الجويرية الصغيرة ؟

    وهو يعلم أن كل فتاة بأبيها معجبة ، تريد أن تراه في أعظم وأجمل حال  ، تريد أن تراه نصيرها وملاذها ، فوا بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو يرى بنيته تراه علي حاله تلك ، ثم تكون هي نصيرته التي ترفع عنه الأذى وتسب من شمت به  ، وتدعو علي من آذاه ، أي ألم يقوم في قلبه لألمها ؟

  وأي أسى كان في نفسه لأساها ؟

وأما لو أن نفساً قضت في مثل تلك الحال كمداً وألماً ما كانت وربي ملومة .

ولكن كان ذاك صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  .

بقي أن أتذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يلق  هذا الأذى مفاجأة غير متوقعة ، ولكنه منذ سلك طريق بلاغ الرسالة وهو موطن النفس علي  تحمل كل ما يلقاه ، لا يصده عن رسالته صاد ولا يرده راد ، وكان يلقي ذلك كله بعزم أولي العزم من الرسل ، فصلوات الله وبركاته علي سيدي ومولاي محمد بن عبد الله ، وعلي آله وسلم تسليماً كثيراً  .

   * 2- كيف فعل سادة قريش هذا الفعل ،  مع أنه لم يكن من عادات العرب مثل هذه السفاسف ، وليس  في قائمة عدواتهم التشفي بمثل هذه الدناءات ، وكان أحدهم يلجم غريمه بالسيف ، ثم يقول : إنه قتل سيداً كريماً  .

سكيف قادهم أبو جهل إلي ممارسات دنيئة بمثل هذا الأسلوب الذي يتخذ القاذورات سلاحاً ،  وهو ما كانت سيادة العرب تترفع عنه ؟

كما قادهم إلي اتخاذ التقتير والتجويع سلاحاً في حصار بني هاشم في الشعب وهم الذين كانوا يفاخرون بالكرم والإطعام وسعة الجفان وإجزال العطايا .

إن سبب ذلك أنها عداوة باعثها الحسد والحقد ، وهذه أقدر العداوات وأمرها وأكثرها بغياً ، وهي العداوة التي تغيب فيها القيم  ومعايير الأخلاق ، ولو كان منطلق العداوة اختلاف الرأي أو شفاء الثأر أو نحو ذلك لم تتسفل إلي هذا الدرك الأخلاقي  ، وهذه هي عداوة إبليس ، وفرعون ، وفرعون هذه الأمة .

*3- كان عتبة بن ربيعة شيخ قريش سيادة وعقلاً وسداد رأي  ، وكذا أخوه شيبة ؛ وكان أمية بن خلف سيد بني جمح ، وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة ابن سيد مخزوم ، فكيف غابت أحلام هؤلاء وعقولهم ومكارمهم حتى تفاعلوا مع هذا التصرف  الدنيء ، وهم الذين هابوا هذا الأمر أول ما عرضه عليهم أبو جهل ؟

إن سر ذلك دهاء أبي جهل وقدرته الفائقة علي القيادة والتأثير واحتواء من هم أكبر منه سناً وسيادةً ، وهي موهبة شخصية سخرها في هذا الاتجاه المدمر ، وبراعته في هذا الموقف ظاهرة  ، حيث حولهم من التفكير الفردي إلي الموقف الجماعي الذي يغيب فيه رشد ذوي الرشد ، ومن دهائه أنه لم يتول هذا الأمر بنفسه  ، ولكن عرضه عليهم  ، وكأنما هو تحد يواجههم جميعاً ، وكان يعلم أنه لا عتبة بن ربيعة ولا أخوه

ولا ابنه ولا أمية ولا عمارة سيقوم بذلك ، وأن المرشح الوحيد لتلك الحماقة هو عقبة ؛ لما فيه من هوج وجرأة وقحة ، ولكنه لم يواجهه بذلك ، فربما رفض ورأى في هذا استخفافاً به  ، وكان ما توقعه أبو جهل ؛ فبادر عقبة واختار الدور من تلقاء نفسه ، فلما نفذ المهمة الدنيئة اشتركوا جميعاً في الآمر والفاعل والساكت في مهرجان الضحك الساخر ، إنها كلمة أطلقها أبو جهل ، انتهت بهم جميعاً إلي أن يكونوا شركاء في هذه الجريمة القذرة .

إن مثل أبي جهل أشقياء كثيرون تجدهم يقودون عصابات ، أو يقودون ثقافات ، أو يقودون دولاً ، ثم لا ينتهون إلا إلي بوادر ودمار ، وأما أتباعهم فهم منساقون معهم في غيبوبة عقلية ، لا يفيقون منها إلا إذا واجهوا مصيرهم الكارثي ذلك  ، وأكثر هذه الإفاقات مرارة وخيبة هي الإفاقة في دار الآخرة  ، يوم لا يجد الأتباع في أيديهم حيلة ، إلا أن يقولوا بحسرة لمتبوعيهم : لولا أنتم  لكنا مؤمنين .

ترى لو تلفت حولك كم سترى من معصوبي الأعين  والعقول يهرولون خلف أشقياء  ، يقودونهم بمهارة إلي قلاع مهلكة  ؟ !

*4- كرامة هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي ربه في إجابة دعائه عليهم ، وكان أبلغ ذلك أن تمادى بهم الشقاء  ، فلم ينزعوا عن الكفر حتى هلكوا ، ثم رآهم صرعى قد غيرتهم الشمس  في المعركة التي ظنوا أنهم سينتصرون فيها عليه ، ثم خرق الله له الناموس الكوني ؛ ليسمعهم بعد موتهم  بثلاث ، وبعد أن  عاينوا ما توعدهم  الله  " فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ؟ " .

أما أشقاهم والذي تولى كبره منهم ، فكان من شقائه أنه أسر ولم يقتل ، ليرى بعينه هذا النبي الذي جرأ عليه كل تلك الجرأة ، وهو يستتم النصر ، ويدفن القتلى ، ويسوق الأسرى  ، ويقسم الغنائم ، ويعود إلي المدينة  ظاهراً منصوراً حتى امتلأت عينه من ذلك كله  ، ودنا رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ، أمر به فضربت عنقه ، وكل ذلك شفاء من الله لصدر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من ألم تلك الشماتة  ، ونكاية بمن آذوه ذلك الأذى .

ثم كان من صنع الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم   وإكرامه له أن ساق إليه أبنائهم ، فرأتهم عينه وقد آمنوا برسالته  ، واتبعوا دينه الذي كان آباؤهم يؤذونه ويحاربونه من أجله  ، فهذا عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وأبو حذيفة بن عتبة ، وهند بنت عتبة  ، وخالد بن الوليد بن المغيرة ، وأم كلثوم والوليد أبناء عقبة ابن أبي معيط  ، دخلوا كلهم في الإسلام ، وثبتوا ، وماتوا عليه رضي الله عنهم .

*5- في رواية ابن مسعود رضي الله عنه  لهذا الحديث آية ربانية ومعجزة نبوية ، فإن ابن مسعود الذي كان حاضراً ذلك المشهد يرى هذه الجراءة بالأذى علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو علي حال من العجز  وقلة المنعة  ، كان يحدث بهذا الحديث  وهو في بيت المال في الكوفة   والياً عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، وقد رأى  كيف جاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وذهب ملك كسرى وقيصر   ، وقسمت كنوزهما في سبيل الله ، وأتم الله أمره  ، وأظهر دين نبيه علي الدين كله ولو كره المشركون  ، فيا  لله ما أوسع الشقة بين يومي ابن مسعود ، يوم رأى  ويوم روى .

*6-  فقه ابن مسعود  رضي الله عنه يوم عاش الحدث ويوم حدث به فقد علم من حاله أنه ضعيف بمكة ، لا عشيرة له ، فهو هذلي حليف لقريش  وليس منها ، وتمنى لو كانت له قوة ؛ اكتفى  بالصبر علي ما يرى  ؛ وهو صبر علي ألم أشد  مما لو كان هذا القذر علي ظهر أبيه ، ولود ابن مسعود يومها لو ألقى المشركون هذا القذر في عينيه ، ولم يلقوه علي ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، ومع ذلك فلم يندفع في فعل غير محسوب العواقب  ولا مرتجى الثمرة ، إذ لو قاوم قريشاً في ذلك لزادها شره وتكبراً ، لأنهم يأنفون  أن يتجرأ عليهم حليف ليس منهم ؛ ثم أنهم سيبطشون به ، وهو الذي لا عشيرة ولا منعة له بمكة ، فهي مواجهة غير متكافئة  ، ونتيجة غير رابحة ، ولذا وسعه ما يسع  من كان في حاله وهو الإنكار بالقلب .

والدليل علي سداد فقهه رضي الله عنه إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم له علي ذلك ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم  لم ينكر عليه  ولم يطالبه بأكثر مما فعل  ، ولم  يشعر ابن مسعود علي طول صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وملازمته له بمعتبة منه صلى الله عليه وآله وسلم  علي ذلك ، ولذا حدث ابن مسعود عن كل ما رآه في حال عز الإسلام  وظهوره ، وحكى  حال ذلك اليوم بغاية الوثوق ،  ولم يشعر أن في موقفه  ذلك ما ينتقد عليه أو يعاب به .

وكأني به رضي الله عنه لو قد لامه أحد علي ذلك . لقال له : قد رآني من هو  خير منك فما لامني ولا خطأني .

ترى لو فقهت أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم  هذا الهدي النبوي  كما فقه ابن مسعود رضي الله عنه  ، كم كانت ستحفظ وتستثمر من طاقاتها وقدراتها وإمكاناتها  التي أهدرت في  مواجهات  غير متكافئة  ، ثم كان عاقبة أمرها خسراً ؟!

*7-  ألا يدهشك ويأخذ بمجامع قلبك  قول ابن مسعود  رضي الله عنه   ، وهو الذي صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم  منذ بداية  دعوته ، ورأى من قريش شدة الإيذاء وضراوة العداوة وصنوف الكيد وغاية الجهد في النيل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم   ودعوته ومن ذلك  ؛ حصاره في الشعب في مكة ، وجرجرة الجيوش  إليه في المدينة  ،  ومع ذلك  يقول  : ( ولم أره دعا عليهم إلا يومئذ )  .  فترى في ذلك عظيم حلمه ، وطول أناته ، وجميل صبره صلوات الله وسلامه  وبركاته عليه .

*8-  لماذا ثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ساداً ما يرفع رأسه والأذى علي ظهره ، حتى جاءته فاطمة رضي الله عنها فطرحته ، وماذا كان يقول في سجوده ذلك ؟

هذا ما لا ندريه ، لكنا نعلم أن ثباته ذلك قطع عليهم فرصة الاستمتاع بالمشهد الذي كانوا ينتظرون حصوله ، وهو أن يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم  مضطرباً  فزعاً  ، ثم يحاول إلقاء الأذى  ، فيتفرق علي ثيابه ، ويتناثر  علي بدنه  ، في مشهد يزيدهم ضحكاً وسخرية وتهكماً ، ولكن ثباته ورباطة جأشه فوتت عليهم ذلك كله .

كما أننا علي يقين أن ثباته صلى الله عليه وآله وسلم علي حاله تلك كانت مناجاة بلسان الحال لربه الذي أرسله ، وكأن كل لحظة من لحظاتها لسان صادق خاشع يدعو  : اللهم إن هذا في سبيل بلاغ  رسالتك ، والصدع بأمرك  والقيام بحقك ، اللهم إني دعوتهم ، وهذا ردهم ، واجتهدت لهم ، وهذا جهدهم  ، اللهم في سبيلك ما ألاقي ، اللهم هل بلغت  ، اللهم فاشهد .

*9- إن هذا الموقف برغم ألمه الممض لم يعش مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم  عبئاً  نفسياً ثقيلاً  ، يجتره ويذكره ويذكر به ولكنه تجاوزه مقبلاً  علي شأنه ، يظهر لك ذلك من حفاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بأبناء هؤلاء الأشقياء  فقد كان حفياً  بعكرمة  بن أبي جهل  ، وبصفوان بن أمية بن خلف  ، وبأبي حذيفة بن عتبة  بن ربيعة ، وبخالد بين الوليد أخي عمارة بن الوليد ، بل وبأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وليس   العجب أنه صلى الله عليه وآله وسلم  لم يقل لواحد منهم : كان من أمر أبيك كذا وكذا ، فقد كان خلقه أكرم وأعظم  من ذلك ، ولكن العجب العاجب أنه صلى الله عليه وآله وسلم  خاف ان يبدر ذلك من أصحابه فيذكروه لهم ، فقال : " لا تسبوا الموتى ، فتؤذوا الأحياء " . ( 1 )

*10- نحن أمام مشهد عظيم فيه قوة نفس فاطمة الزهراء عليها السلام علي صغر سنها ، حيث أتت وهي جويرية  ، فرفعت الأذى عن ظهر أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، ثم أقبلت علي أولئك الملأ ، وهم رؤوس قريش وسادتها ن فصرخت بسبهم  ، ودعت علي من فعل ذلك منهم  ، والأعجب أنها برغم انفعالها لم تستعبر باكية ، بل واجهتهم بشجاعة وقوة ورباطة جأش ، ثم كان من كرامة الله لها أنها وقد رأت أباها عند البيت علي ذلك المنظر المؤلم أقر الله عينها فرأت أباها بعد عشر سنين يطوف بالبيت ومعه أكثر من مائة ألف ، وليس حول البيت صنم ، ولا يطوف به مشرك ، فهل تذكرت ذاك المشهد وأبوها يمر بذلك المكان  ، هل تساءلت : أين هم أولئك الملأ ؟ أين ضحكهم واستهزاؤهم وتهكمهم ؟ وماذا كان عاقبة أمرهم ؟!

   ثم أتم الله عليها كرامته ونعمته  ، فلم يلحق أبوها بالرفيق الأعلى حتى قال لها : " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ". فصلوات الله وسلامه وبركاته عليها ، وعلي أبيها في العالمين إنه حميد  مجيد .

 

كتبه / عبدالوهاب الطريري