سيد الوادي
islamword.com

islamword | كلمة الآسلام الخميس, الـ 24 من نوفمبر 2011 م

كان سعد بن معاذ سيد بني عبد الأَشْهَل من الأوس بالمدينة، وكان أُمَيَّة بن خلف سيد بني جُمَح من قريش بمكة، وكانا صديقين يتبادلان التزاور؛ فإذا انطلق أمية إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، وإذا جاء سعد إلى مكة نزل على أُمية، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، وكان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتبعه وآواه ونصره.   فلما وصل مكة نزل على صديقه أمية بن خلف، ثم قال له: يا أبا صفوان، انظر ساعة خلوة؛ لعلي أطوف بالبيت. فقال أمية: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس. فخرج به أمية قريبًا من نصف النهار، وهي ساعة يأوي الناس فيها إلى بيوتهم؛ لشدة الحرارة في مكة، وما ظن أمية أنهما سيلقيان أحدًا هذه الساعة.

وبينا سعد يطوف بالبيت إذا أتاه أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة آمنًا؟ فقال سعد - وكان شابًّا سيدًا جليلًا لا يستخفي بنفسه إذا دعي-: أنا سعد بن معاذ. فقال أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم محمدًا وأصحابه، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم. قال سعد: نعم. قال أبو جهل: والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا. فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما والله لإن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة. فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم؛ فإنه سيد أهل الوادي. وجعل سعد وأبو جهل يتلاحيان ويتراجعان بينهما بالكلام، فجعل أمية يمسك سعدًا ويقول: لا ترفع صوتك على أبي الحكم؛ فإنه سيد هذا الوادي. فغضب سعد من أمية؛ فقد كان الأجدر به أن يَنْصُر ضيفه وصديقه، ولا يسمح لأبي جهل أن يخاطبه بهذا الخطاب، ولذا دفع بيده في صدره وقال: دعنا عنك يا أمية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( إنهم قاتلوك) . فقال أمية: إياي. قال: نعم. قال أمية: بمكة ؟  قال: لا أدري. ففزع أمية فزعًا شديدًا وقال: والله ما يكذب محمد إذا حدَّث. فلما رجع إلى أهله قال: يا أم صفوان ألم تري ما قال لي أخي اليثربي، قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له بمكة؟ قال: لا أدري. قالت: ما يدعنا محمد، والله ما يكذب محمد إذا حدث. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.

فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس قائلًا: أدركوا عِيركم. وهو يراها فرصة؛ ليحشد قريشًا؛ لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيستأصل الرسول والرسالة، فتذكر أمية ما حدَّثه سعد بن معاذ، وعزم على عدم الخروج معهم، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، أنت سيد أهل الوادي، وإذا رآك الناس تخلَّفْتَ تخلفوا معك، فسر معنا يومًا أو يومين. فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. وذلك حتى يهرب عليه عند أول طارئ، فلا يلحقه أحد، ثم قال لامرأته: يا أم صفوان، جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان أو قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟! قال: لا، ما نسيت، ولكني ما أريد أن أسير معهم إلا قريبًا. واشترى أُمَية البعير، وخرج معهم، وكان لا ينزل منزلًا إلا عَقَل بعيره عنده، فلم يزل كذلك حتى وصل بدرًا، ودارت المعركة، وتنزَّل النصر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وهُزِم المشركون، وقُتِل سادتهم وكبراؤهم؛ وكان من أول من أصيب أبو جهل الذي أغوى أمية وأغراه، ورأى أمية بعينه الهزيمة وقد حاقت بمن معه، ورأى كبراء المشركين صرعى في ميدان المعركة، وبينما المعركة توشك أن تضع أوزارها، إذ رآه بلال بن رباح وكان عبدًا لأمية بمكة، وكان أمية يعذبه سوء العذاب لما أسلم؛ ليفتنه عن دينه، فلما رآه بلال صرخ برهط من الأنصار: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فأدركوه، فقتلوه، وكان بلال ممن شارك في قتله.

وهكذا انتهى أمية إلى موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقتله الأنصار الذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قاتلوه، وكان أشدَّ قتلٍ مرارة، فقد قُتِل بعد أن رأى الهزيمة قد حاقت بمن معه، وقُتِل بمرأى من بلال الذي كان يُسَام السوء على يديه. وكأني بسعد بن معاذ وقد رأى ذلك يقول (هذا ما وعدنا الله ورسوله،وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليماً){

*1- يستوقفك في هذا الخبر ما تشبّعت به نفوس المشركين من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يكذب إذا حدّث، وقد أعلنها أمية أول سماعه الخبر، وكما قالها أمية قالتها زوجته أم صفوان، ثم ظهر أثر ذلك في حذر أمية، وتحذير زوجته له.

إن صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حَدَّث كان مما استقر في نفوسهم، وهذا دليل صدق على أن كفرهم كان كفر جحود وعناد، وأنهم كما قال الله عنهم ((فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) { الأنعام : 33} ويا لله، كيف يُصدِّق أميةُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدَّث أنهم قاتلوه، ولا يصدقه إذا قال: إني رسول الله إليكم جميعًا. وكيف لا يكذب النبي إذا حَدَّثهم، ثم يكذب على الله إذا حَدَّث عنه! إن هذا التناقض منهم يبين أنهم (وجَحَدُوا بِهَا واستيقنتها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا){ النمل : 14 } .

2-  نلاحظ أن العلاقة الإنسانية بقيت بين المسلمين والمشركين، ولم ير المسلمون في إسلامهم وإيمانهم وبراءتهم من الشرك ما يستوجب قطع العلاقات الإنسانية من الصداقة والزيارة والضيافة، ولذا استمر التزاور بين سعد وأمية بعد الإسلام والهجرة والنصرة، كما استمرت الرعاية والوكالة على الأهل والمال بين أمية وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فكان أمية هو الذي يلي أمور عبد الرحمن في مكة، وعبد الرحمن هو الذي يلي أمور أمية في المدينة.

إن المسلمين جزء من المجتمع الإنساني يتم التعامل بينهم وبين غيرهم وفق أعلى المثل الأخلاقية وأنبل العواطف الإنسانية، ولم يروا أن إسلامهم يعني تطويقهم في عزلة نفسية وقطيعة اجتماعية.

*3-  في هذا الحديث معجزة نبوية ظاهرة؛ فقد حَدَّث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأنصار علانية أنهم قاتلو أمية بن خلف، وكانوا هم بالمدينة، وأمية بمكة، وما كان يدور بخَلَد أحد كيف سيكون ذلك وأنَّى يكون، ولو قد مات أمية حَتْف أنفه على فراشه لَحُفِظ أن رسول الله أخبر خبرًا لم يتحقق.

ولكن النبي الذي ما قال إلا حقًّا ولا نطق إلا صدقًا أخبر خبره بيقين من ربه، وتَلَقَّاه أصحابه بيقين من إيمانهم بصدق رسولهم، ولم تمضِ سنة حتى كان أمية في بدر مع جيش المشركين الذين خرجوا بطرًا ورئاء الناس، فيُقْتَل أُمَية بأسياف الأنصار، ولم يُغْنِ عنه حَذَرُه ولا أجود بعير بمكة اشتراه، وصدق موعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحاق بالمشركين ما كانوا يعملون.

*4- نرى مهارة أبي جهل في الإغواء واستدراج أمية برغم شديد حَذَرِه، فقد نفخ في مِنْخَرِه، وأذكى كبرياءه وغروره يوم قال: يا أبا صفوان أنت سيد أهل الوادي، وإذا رآك الناس تخلَّفت تخلفوا معك. فأشعره بالمكانة والزعامة، وأن الناس كلهم تَبَعٌ له.

ثم غرَّر به و استغواه حين قال: فسِرْ مع الجيش يومًا أو يومين. ولقد علم أبو جهل أن أمية لا يمكن أن يسير مع الجيش يومًا أو يومين ثم يركب بعيره أمامهم ليقول لهم: أنا سأرجع إلى مكة، وأنتم استمروا في طريقكم إلى ميدان المعركة. فإن القتل هبرًا بالسيوف أهون من هذا الموقف، ولذا فإن أمية لما سار يومًا أو يومين لم يستطع الرجوع لينتهي إلى حيث حَتْفه الذي كان يحذر، وكان الذي دلاَّه بغرور هو أبو جهل وبمهارة عجيبة، بل عبقرية نادرة، إن هذا يلفتنا إلى أن أئمة الضلال لا تنقصهم الفِطْنَة، بل لديهم مواهب ومهارات عالية، بل خارقة في التواصل والتأثير، ولكنها مواهب مُسخَّرة في الفتنة والإضلال، وعندما يحيق سوء العذاب بهم وبمن يسلم قياده لهم فلن ينفعهم أنهم في العذاب مشتركون.

*5- تشدك في شخصية سعد   هذه المزاوجة  الحصيفة بين الحكمة والشجاعة  ، فهو الذي طلب ساعة خلوة يطوف فيها ؛ فلم  يسع  إلي المواجهة  ولم يتعمد المصادمة ، سياسة لمناخ التوتر الذي كانت تعيشه قريش  .

ولكنه لما سمع نداء أبي جهل ، لم يستخف بنفسه ، ولم يضعف في خطابه ، ولكن أجاب بغاية العزة والشجاعة  والوثوق ، فكان حكيماً  في سياسة أمره  ، شجاعاً  في مواجهة خصمه ، وتعامل مع كل ظرف بما يناسبه ، ولبس لكل حالة لبوسها .

*6- ألا تلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أَذِن لشاب عمره في الحياة ثلاثون سنة، وعمره في الإسلام ثلاث سنين؛ ليسافر من المدينة النبوية إلى مكة؛ حيث الأوثان والوثنية، وأشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يَنْهَ سعدًا عن الذهاب خوفًا عليه أن يتأثر أو يُفْتَن ولم يسافر مصحوبًا بمشاعر القلق على دينه وإيمانه.

ومع ذلك تَصَرَّف سعد هناك التَّصُرُّف الذي لو رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقَرَّت به عينه شجاعة وقوة وثباتًا وسدادًا.

إن هذا يُبيِّن لنا البناء النفسي والعقدي القوي الذي كانت تبنى به نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، والذي يتجلى في الوثوق بشخصياتهم وقناعاتهم، ولم تكن الرعاية والتعاهد تعني التطويق والحضانة المستديمة(*).