English

                       

TvQuran

البحث

الاقسام

  L


الاكثر مشاهدة
     من بدع الصلاة

     كيف يستثمر المسلم بعيداً عن الربا

     إياك نعبد وإياك نستعين

     أسهل العبادات وأعظمها أجراً عند الله

     من روائع قصص الجهاد


أفضل تقييم
     أم المؤمنين المباركة

     ثم مــاذا ؟

     من روائع قصص الجهاد

     من ترك شيئا لله

     بين أحد واليرموك

المزيد ....


روابط مفيدة
    

    

    

المزيد ....


المكتبة الإلكترونية
    

    

    

    

المزيد ....


أحدث إضافة
     قرص شعير

     سلمة الاكواع

     ثمامة

     سنة حسنة

     يا معاذ


احصائيات

   عدد الزوار : [ 517760 ]

   عدد المقالات : [ 92 ]

   عدد الأقسام : [ 1 ]

   مجموع المشاهدات : [ 237705 ]

يا عم

الخميس, الـ 19 من مايو 2011 م   القراءات : 1970 طباعة


 

       تفتح وعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أقرب الناس إليه ، فهو الأخ الشقيق لأبيه عبد الله وهو الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب ، فحلت الأبوة محل العمومة ، حتى صار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعى : يتيم أبي طالب . وكان الحب متبادلاً بينهما ، فكان أبو طالب من شدة تعلقه به إذا سافر سافر به معه ، حتى إنه عندما سافر لتجارته في الشام  ، أخذه معه وهو في التاسعة من عمره ، وهي سن لا تؤهل للتجارة ولا لأعباء الطريق الشاقة ولكنه تعلق أبي طالب بابنه ابن أخيه وتعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم مراحل عمره المبارك الميمون وأبو طالب أقرب ذوي قرباه ، حتى إذا تحمل أعباء الرسالة وواجه تبعات البلاغ ، كان من  أبي طالب  ما عرف واشتهر من نصرته وحمايته والذب عنه  ، ثم تحمل المنابذة من قريش والحصار والتضييق من غير أن تلين له قناة أو تضعف منه عزيمة وكان حاسما في الحماية مستبسلا في النصرة .

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا

   ولمـــا نقـــاتــل دونــه ونناضل

ونســلمـــه حتـــى نــصــرع حـــوله

     ونــذهـــل عــن أبنائنا والحلائل

 

        ومرت عشر سنوات من عمر الرسالة ، وخمسون سنة من العمر المحمدي ، وخمس وثمانون سنة من عمر أبي طالب ، وإذا بأبي طالب يرقد علي سرير الموت فيحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعند أبي طالب أخواله من بني مخزوم ، أبو جهل ابن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية ، والمسيب بن حزن ، ويسارع النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللحظات الأخيرة من حياة أبي طالب يناشده الكلمة التي طالما عرضها عليه وتطلبها منه ، يقول له : بشفقة الولد للوالد : " يا عم إنك أعظم الناس علي حقاً ، وأحسنهم عندي يداً ، فقل كلمة تحل لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة يا عم  قل : لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " ولكن أبا جهل يسارع إلي تطويق إبي طالب بحصار عاطفي يشده إلي دين أبيه قائلاً : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟

    ويسابق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفاس أبي طالب مكرراً ذات الطلب ، من غير أن ينشغل بالرد  علي أبي جهل أو مناقشته ، مقبلاً علي عمه : " يا عم قل : لا إله إلا الله  . كلمة أشهد لك بها عن الله  " .

ويعيد أبو جهل  ذات  النداء والتذكير بدين عبد المطلب .

ويكرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما بدأ ويناشد عمه في هذه اللحظة الحرجة كأشد  ما تكون المناشدة ، ويحس أبو طالب صدق اللهجة وحرارة العاطفة في نداء ابن أخيه ، فيقبل عليه قائلاً : يا ابن أخي ، لولا أن تعيرني قريش ، يقولون : ما حمله علي ذلك إلا جزع الموت ؛ لأقررت بها عينك .

ثم كان آخر ما تكلم به قبل أن تفرط آخر أنفاسه  : أنا علي ملة الأشياخ ، أنا علي ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله .

ومات أبو طالب ، وغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حزيناً آسفاً أن عمه الذي أحبه ونصره لم ينعم بالهداية التي بعث بها ، ودعا إليها  .

وقال – وكأنه لا زال يخاطب عمه ، وكأنه عمه لا زال يسمعه - : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " .

     فأنزل الله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " .  { التوبة : 113}

وأنزل سلوة ومواساة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين "  { القصص : 56 }

وبقيت في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم  حسرة علي عمه يعرفها منه أصحابه .

وبعد نحو عشر سنين يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً ، ويأتيه أهل مكة يبايعونه علي الإسلام ، ويأتي أبو بكر رضي الله عنه بأبيه أبي قحافة ليبايع النبي  صلى الله عليه وآله وسلم فيمد الشيخ إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يداً معروقة ناحلة ، فيستعبر أبو بكر  رضي الله عنه  باكياً

وهو يرى يد أبيه في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، ويعجب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبكاء صاحبه فيسأله : " ما لك يا أبا بكر ؟ " . فيقول : يا رسول الله ، لأن تكون يد عمك مكان يده ، ويسلم ويقر الله عينك أحب إلي من أن يكون أبي ، والذي بعثك بالحق  ، لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي ، ألتمس بذلك قرة عينك .

ونحن اليوم نعتلج قلوبنا أسى ولوعة ، ونتمنى أن أبا طالب شهد ذلك اليوم ورأى ابن أخيه يدخل مكة فاتحا ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وأن عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرت بإسلامه  ، ( ولكن الله يهدي من يشاء){القصص 56 }.

 

*1- لقد تساءلت في نفسي كثيراً : من أولى الناس بالنظر العقلي المجرد – أن يكون أول البشرية إسلاماً ، وتصديقاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فكان الجواب المتبادر : ذاك أبو طالب .

    فهو أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طفولته وفتوته ويفاعه وشبابه ورجولته وكهولته ، وعرف خلال ذلك خصاله كلها : صدقه وأمانته وطهره ونقاءه ، وعرف أحواله كلها : مدخله ومخرجه ومذهبه ومأتاه .

 

وقال عنه مفاخراً :-

لقد علموا أن ابننا لا مكذب            لدينا ولا يعني بقول البواطل

      ومع ذلك لم تجد فيه دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتواصلة طيلة عشر سنين ، ومات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند رأسه يناشده كلمة التوحيد فلم يقلها ، ولو قالها لقرت بها عينه ، وعين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وعين كل مسلم .

   إن ذلك كله آية باهرة تدل علي أن الهداية منحة إلهية ، لم ينعم  الله بها علي من يشاء والله بحكمته أعلم بمواضع هدايته ، ولذلك أسلم أناس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لم يعرفوه إلا في ذلك المجلس .

    إن تصور هذا المعنى يجعل المسلم يستشعر عظيم فضل الله عليه يوم هداه ود ضل من خلقه كثير ، وهذا ما يجعلنا نلح علي الله في كل ركعة من كل صلاة { اهدنا الصراط المستقيم } وأنه لو كانت الهداية بالعلم وحده لكان أبو طالب أولى الناس بها ، لأنه أعلمهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، { ولكن الله يهدي من يشاء  وهو أعلم بالمهتدين } (  القصص : 56 )

* 2 – في هذه النهاية سلوة لكل من بذل جهده  في الدعوة  ، وبادر في الحرص ولم يصل إلي مراده فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم الناس حرصاً في دعوته عمه ، وأحكم طريقة  ، وأحسن موعظة ، ومع ذلك لم يستجب له ، وقد جهد قبل ذلك نوح مع ابنه ، وإبراهيم مع أبيه ففي حال هؤلاء الأنبياء مع ذوي قرباهم عزاء لكل داعية جهد  في إيصال الحق إلي من يحب  فلم يصب الحق في قلوبهم مواضعه .

* 3- لم يذكر الله أبا طالب في الآية باسمه  ، ولا بكنيته ، ولا بوصفه ولكن ذكره بعاطفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجاهه { من أحببت } ، وهذا الحب الذي ذكره الله عن نبيه تجاه عمه عاطفة فطرية نابعة عن قربى، ومبذولة لذوي إحسان ومكرمة  ، وقد جلبت النفوس علي حب من أحسن إليها  ، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحفظ لأبي طالب جميله  ، ويقدر له إحسانه ويحبه حباً فطرياً ، ويحب هدايته محبة شرعيةً . إن المحبة الفطرية لذوي القربى وذوي الإحسان والمروءة – وإن كانوا غير مسلمين – مما جلبت عليه الفطر السوية ، وسبقت إليه العاطفة النبوية .

* 4- نرى أبا جهل قد استعمل حصاراً عاطفياً علي أبي طالب في هذه اللحظة الحرجة من حياته ، إنه لم يعارض دهوة النبي ر بحجة ولم يؤيد ما يدعو إليه ببرهان ، ولم يحتج علي أبي طالب إلا أن هذه الوثنية هي دين عبد المطلب ، وهذا منطق خال من البرهان والحجة ، ولكنه يطوق أبا طالب بالحصار العاطفي الذي يذكره دين أبيه ويشعره بالعقوق لآبائه وأشياخه لو قد تخلى عن دينهم وهو أسلوب ماكر يحسنه أبو جهل ويوظفه في مواطن كثيرة .

    وأنت واجد أسلوب أبي جهل هذا في حوارات كثير من أتباعه عندما يجرونها بطريقة حروب العصابات ، فليس لها قواعد تنطلق منها ، ولا أرضية تقف عليها .

بقي أن تعلم أن هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عند أبي طالب يؤزونه علي الكفر قد أسلم منهم اثنان ، وتبعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركا ملة عبد المطلب ، وهما عبد الله بن أبي أمية الذي استشهد يوم حنين والمسيب ابن حزن  .

    5 – تقف معجباً أمام هذه السكينة النفسية والرفق المحمدي في هذه الساعة  الحرجة من حياة عمه أبي طالب ، وهو يعرض عليه الهداية ، ثم يتعرض لهذا الاستفزاز الشديد من أبي جهل الذي يدخل  مشاغبا عليه دعوته ومعاكساً مقصده ، ومع ذلك لم ينشغل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه بلجاجه  ، ولم ينقل أنه رد عليه  بكلمة ، وربما كان ذلك مقصداً لأبي جهل ليشاغل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صمد إلي هدفه وألح إلي طلبه بذات الرفق حتى نفذ قضاء الله وقدره ، ثم استمرت سكينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم برغم الأسف والحزن الممض ، ولم يعقب علي ذلك إلا بقوله : " لأستغفرن لك مالم أنه عنك " .  ولم يرجع إلي أبي جهل قولاً ، ولم يجعله له شغلاً  .

    إن هذه السكينة المحمدية في هذا الموقف الاستفزازي الحرج درس بليغ في عدم إهدار الوقت والجهد فيما لا يجدي وعدم الاستدراج في مشاغلات جانبية تقطع  عن المقصد الأعظم .  كما هي مشهد من مشاهد العظمة الأخلاقية المحمدية ( وإنك لعلى خلق عظيم )    { القلم : 4} .

 

جميع الحقوق محفوظة © 2011 , كلمة الاسلام