English

                       

TvQuran

البحث

الاقسام

  L


الاكثر مشاهدة
     من بدع الصلاة

     كيف يستثمر المسلم بعيداً عن الربا

     إياك نعبد وإياك نستعين

     أسهل العبادات وأعظمها أجراً عند الله

     من روائع قصص الجهاد


أفضل تقييم
     أم المؤمنين المباركة

     ثم مــاذا ؟

     من روائع قصص الجهاد

     من ترك شيئا لله

     بين أحد واليرموك

المزيد ....


روابط مفيدة
    

    

    

المزيد ....


المكتبة الإلكترونية
    

    

    

    

المزيد ....


أحدث إضافة
     قرص شعير

     سلمة الاكواع

     ثمامة

     سنة حسنة

     يا معاذ


احصائيات

   عدد الزوار : [ 534396 ]

   عدد المقالات : [ 92 ]

   عدد الأقسام : [ 1 ]

   مجموع المشاهدات : [ 247355 ]

ليلة الغار

الخميس, الـ 19 من مايو 2011 م   القراءات : 2070 طباعة


 

انطفأت أنوار الرسالات  ، وتراكمت  الظلمات وأطبقت علي الأرض جهالات الظلم والوثنية ، وأصبحت البشرية  علي حال تستوجب  مقت الله ، فقد نظر الله إلي أهل الأرض  فمقتهم عربهم  وعجمهم  ، إلا بقايا من أهل الكتاب  .

وكان هناك في حاشية من الأرض بشر من البشر  ، يخرج من البلدة  ، تسرب به الشعاب  ، وتحفه الجبال  ، قاصدا جبلا منها اختاره من بينها .

وعندما تنظر إلي هذا الجبل تشعر كأنما خلقه الله لهذا الرجل ، ولهذا الحديث ؛  فالجبال من حوله تضطجع باسترخاء إلا هو ، فإن قمته تتطاول كأنما تنظر إلي  شيء بعيد  . الصعود إلي هذه القمة شاق والطريق وعر ، وهو هناك  في غاره في قمة الجبل ، إذا جلس امتد طرفه في الأفق البعيد ؛ ليرى تلقاء وجهه بيت الله الذي بناه أبوه إبراهيم عليه السلام .

وكأنما هو في هذا العلو  يتعالى علي ما في الأرض من أوجاس الوثنية وظلمها ، ويسرح بصره  من علو في آفاق الكون الرحيب  ، ويشرف علي الأمر الباقي من رسالات الله إلي أهل الأرض .

إن هذا المكان في علوه الشاهق ، ومنظره المهيب ، وموقعه المميز هو المكان اللائق لسبح الفكر العميق ، والتفكير في خلق السماوات والأرض  والتوجه إلي الله بعد امتلاء النظر والفكر من رؤية عظمة ملكوته ( ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحنك )  { آل عمران : 191}

وفي ليلة ساجية  ، والكون في سكونه ، وهو في تفكره وتعبده يحضنه غاره في أعلى ذروة في الجبل ، إذ قطع  عليه سكونه  وفكره نزول الملك  ، وفجئه الحق من ربه .

ويا لله لرسول  الله  صلى الله عليه وآله  وسلم وهو في الغار وكل ما حوله سكينة وسكون ، لا يسمع فيه نأمة ولا يحس أحدا  ، فليس هو علي طريق سالك أو حول مكان آهل  ثم يقطع عليه سكون الليل فجأة الحق له ، وتنزل الملك عليه علي غير توقع ولا انتظار ، فما كان ينتظر رسالة يرسل بها ، ولا وحيا يوحى إليه ولا كتابا يبشر به ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب إلا رحمة من ربك ){القصص : 86 }

أي فزع يمكن أن يستولي علي النفس حينها  مهما كانت ثباتا ورباطة جأش  ، لقد كان مجئ  الملك  مفاجأة  ، ولكن خطابه وطلبه كان مفاجأة  أخرى  : " اقرأ "  .

يخاطب بها من لم يقرأ يوما مكتوباً  ، ولم يكتب مقروءاً ( وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك )    { العنكبوت : 48 }  .

ولذلك أجاب بالجواب الذي لا يمكن  أن يجيب بغيره  : " ما أنا بقارئ "  .

ي : ما أنا بالذي يقرأ  ، فأخذه الملك فضمه ضما شديداً بلغ به غاية ما يحتمله   وجهد به جهداً شديداً ثم أطلقه ، وأعاد عليه الأمر مرة أخرى   : " اقرأ " . فأجاب بذات الجواب : " ما أنا بقارئ "  .  وما أحسن القراءة فأخذه فضمه مرة أخرى ضما شديداً حتى بلغ به الجهد والإعياء مبلغه ثم أطلقه وأعاد عليه المرة الثالثة قائلا : " اقرأ " . فأجاب بالجواب  ذاته ، فقد كان صادقاً عندما  قال أول مرة ولم يتغير شيء من حاله : " ما أنا بقارئ " . فأخذه الملك فضمه الضمة الثالثة  ثم أطلقه ، وقال  :              "  ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم  الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم  )   { العلق  :  1  -  5 } " .

فاجتمعت الآيات : قرآنها  ومعناها  في قلب رسول الله صلى الله عليه وآله  وسلم  ، وعاد بها مسارعاً إلي بيته ، فزعا  يرجف فؤاده وترعد بوادره ، حتى دخل علي زوجه خديجة رضي الله عنها ، وهو يقول :  " زملوني زملوني " . فقد كان بجاحة إلي  الراحة بعد الجهد  ، والسكينة بعد  الفزع  ، فلما استراح بعد إعياء ، واطمأن بعد خوف ، وذهب  عنه الروع ، حدث  زوجه خديجة رضي الله عنها وأخبرها خبره وما رأى وما سمع  ووعى ، فهي المرأة المحبة  العاقلة الرشيدة  التي يثق بحبها ونصحها وصحة عقلها ، وبث إليها مشاعر نفسه ، وهو يقول  :  " لقد خشيت علي نفسي "  .          فبادرت خديجة رضي الله عنها بجوانب قاطع ساطع موثق مؤكد ، تقسم عليه ولا تستثنى  : كلا والله ، لا يخزيك الله أبداً  .

 

ولتكاد تسمع الكون  كله بملائكته  وأفلاكه وعظيم مخلوقاته  يردد مع خديجة رضي الله عنها  ، ويحاول أن يسمع محمدا ما أسمعته زوجة : كلا والله ما أنزل إليك ، وأرسلك وأرسل إليك ، واختارك من بين كل هذه البشرية السادرة الحائرة ليخزيك أو يحزنك ، ولكن ليكرمك ويكرم بك  ، ويرفعك ويرفع بك  ، ويشرفك ويشرف بك ، ويشرح صدرك ، ويرفع ذكرك فلا تخش علي نفسك  .

كلا والله لا يخزيك الله أبداً 

 

***  وهنا نرى معاني عظاماً :

*1- كلما استجمعت بصائر البصيرة  حول هذا المشهد أدركت ضخامة الحدث وأيقنت بدون مبالغة أن هذا أعظم حدث كوني وقع علي الأرض منذ نزول آدم وإلي أن تقوم الساعة ، ولم يتحرك اتجاه التاريخ لأي حدث كما تحرك لهذا الحدث .  ولم تسعد البشرية بشيء سعادتها بهذا الحدث . ولا أعلم حدثا أولى بالذكر والشكر والاحتفاء كهذا الحدث ، ولذا ذكرته وحفظته آيات القرآن العزيز  (  شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس )  { البقرة 185} . وجدد ذكراه

جبرائيل ومحمد عليهما السلام " فكان رسول الله أكرم ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن " ففي كل رمضان تتجدد لرسول الله صلى الله عليه وآله  وسلم   وأمته ذكرى اللقاء الأول مع الوحي  وروح القدس .

بشرى من الغيب ألقت في فم الغار      1

 

وحــيــا وأفضــت إلي الدنيا بأسرار

بشرى النبوة طافت كالشذا سحرا       1

 

وأعلنت فــــي الربـــى ميـلاد أنوار

وشقت الصمت والأنسام تحملها                 1

 

تحـــت السكينة من دار إلـــــي دار

وهدهدت مكة الوسنى أناملها                1

 

وهــــزت الفجــــر إيذانا بإسفـــــار

تدافع الفجر في الدنيا يزف إلي               1

 

تـــاريخهـــا فجر أجيال وأدهار

 

 

* 2- عظيم عطاء الله وفضله وكرمه – وهو الأكرم – حيث أقبل علي البشرية فأنزل عليها وحيه ، وخاطبها بكلامه ، واختار منهم بشراً مثلهم  - أبرهم وأزكاهم قلباً – ليكون فؤاده متنزل كلمات الله إلي الخلق . وهو فضل من الله وعطاء تطول به من غير استحقاق من البشر بل ولا سؤال منهم ،

 

ولكن هو عز وجل بفضله ورحمته يبتدئ بإنعامه ويوالي إفضاله .

أشعر قلبك أن ربك العظيم الأعظم الذي كل الكون الفسيح الرهيب بعض خلقه وملكوته يقبل بعظمته وجلاله وكبريائه فينظر إلي البشرية ، وهي تعيش علي هذه الأرض والتي ليست إلا هباءة سابحة في كونه الفسيح ؛ فيتكلم في شأنها  ويتكلم إليها ، وينزل كلماته تبين للبشرية دينها ، وتدلها  طريقها ؟ فيما لعظمة عطاء  الله وفضله  ، ويا لشرف الإنسان بهذا العطاء والإفضال !

*3- تلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فجأة اللقاء الأول بالفزع ، وأخذه الروع ، ورجع مسرعاً يرجف فؤاده ، وترعد فرائضه ، وهذا دليل صدق علي صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن ما جاء لم يكن أمراً يتوقعه أو ينتظره أو يرجوه ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب إلا رحمة من ربك ){ القصص :86} . في حين أن هناك من بنى إسرائيل ومن حنفاء العرب من كانوا يتوقعون ظهور النبوة ويستشرفون  لها ولكن حكمة الله لا تهيب هذا الفضل لمن ينتظره ، ولكن لمن يليق بالنبوة ، ويحتمل أعباء الرسالة ( الله أعلم حيث يجعل رسالته) { الأنعام :124}

*4- كل كلمة في هذه الآيات مقصودة بذاتها بحيث ترى الحكمة العظيمة أن ينزل القرآن بهذا الاستفتاح ، ونقف منها وقفات :

أ- البدء بالأمر بالقراءة والإشادة بالقلم والكتاب .

ويتنزل ذلك علي نبي أمي ما قرأ يوماً كتاباً ولا خطه بيمينه ، ولو كان هذا الأمي يختار ما يوحي إليه أو يتقوله  - وحاشاه – لما بدأ بإشهار أمر وإعلانه وهو غير متصف به لتبقى هذه الآية دلالة علي نبوة النبي وربانية الوحي ، وإن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم  نبي يوحي إليه فيبلغ ما أنزل إليه من ربه .

ب – البدء باسم الله الذي خلق ، فتعم كل ما خلق الله في الكون .

ثم فصل فقال : ( خلق الإنسان من علق ) { العلق : 2} ، وفي هذه الآيات عبرة عظيمة ، فهي تسكب الطمأنينة في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتضع كل ما سيواجهه من أعداء وكائدين ألداء في حجمهم الحقيقي ، فكل هؤلاء خلق ، والذي أرسلك هو الخالق ، فما وزن هؤلاء ؟ وما الاحتفال بهم إذا كان المرسل هو خالقهم ؟

ج- ( اقرأ وربك الأكرم ) { العلق : 3} .

ولم يقل هنا : الكريم بل الأكرم من كل كريم ، وهنا الكرم غير المتناهي ، ومن كرمه إنزاله الوحي ، ومن كرمه اختيارك لتلقي رسالته من بين كل الناس ، ومن كرمه حياطتك ورعايتك ، فإذا واجهك الجاحدون المعاندون فإن الذي أرسلك هو الأكرم ، والأكرم لن يسلمك ولن يخزيك ، فما أروع أن يتلقى البشرى وحيا من الله اقرأ وربك الأكرم  ، ثم يتلقى تقريرها من زوجه " كلا والله لا يخزيك الله أبداً " .

د- ( الذي علم بالقلم ) { العلق : 4 } .

فهذا النبي الذي أشاد وحي الله عليه بالعلم والقلم تتابع آلاف العلماء ، وآلاف آلاف الكتب تكتب وتقرأ في علمه وشريعته ووحي الله إليه ، وهو أمي ما قرأ ولا كتب ، ولكن العلماء يتعلمون ما كتبه غيرهم ، أما رسول الله فهو أمي علم البشرية ما تكتب .

 

جميع الحقوق محفوظة © 2011 , كلمة الاسلام