English

                       

TvQuran

البحث

الاقسام

  L


الاكثر مشاهدة
     من بدع الصلاة

     إياك نعبد وإياك نستعين

     كيف يستثمر المسلم بعيداً عن الربا

     أسهل العبادات وأعظمها أجراً عند الله

     من روائع قصص الجهاد


أفضل تقييم
     أم المؤمنين المباركة

     ثم مــاذا ؟

     من روائع قصص الجهاد

     من ترك شيئا لله

     بين أحد واليرموك

المزيد ....


روابط مفيدة
    

    

    

المزيد ....


المكتبة الإلكترونية
    

    

    

    

المزيد ....


أحدث إضافة
     يا نفس

     الفرق الضاله

     رثاء النفس

     دعـــاء

     كيف اخدم الاسلام


احصائيات

   عدد الزوار : [ 506393 ]

   عدد المقالات : [ 84 ]

   عدد الأقسام : [ 1 ]

   مجموع المشاهدات : [ 232355 ]

بين أحد واليرموك

الأربعاء, الـ 01 من يونيو 2011 م   القراءات : 3984 طباعة


لو أراد الخيال أن ينسج قصة  غريبة عاجبة ما نسج  أغرب منها وأعجب  ، ولكن الواقع كان أوسع مدى من الخيال ، يبدأ طرفها الأول  عند سفوح جبل أحد سنة ثلاث من الهجرة ، حيث جيش  المشركين يتحفز للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم   والمسلمين معه ، وكان القائد  الأعلى لجيش المشركين أبو سفيان صخر بن حرب يعد جيشه مستخدماً أعلى معايير الاقتدار السياسي والعسكري والنفسي ، ولذا اختار معه في القيادة شباباً يمتازون بالمهارة  القتالية  ، وشدة العداوة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم  ، وأنهم أبناء زعماء المواجهة والعداوة  الأولى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم معرقون في العداوة  والحنق ، تشربوه من آبائهم ، ومضوا فيه علي إثرهم ، فجل قيادة ميمنة الجيش لخالد بن الوليد بن المغيرة ، وجعل قيادة ميسرة الجيش لعكرمة ابن أبي جهل بن هشام ، وكان هؤلاء القادة الثلاثة يحملون أحقاداً عميقة وثأراً قريباً  ؛ فأبو سفيان قتل ابن حنظلة قبل عام في بدر  ، وعكرمة قتل أبوه أبو جهل أيضاً في بدر ، وخالد قتل عمه والد عكرمة هناك  .

وابتدأت المعركة وكان النصر في بدايتها للمسلمين ، ثم استغل خالد ببراعة عسكرية عالية الثغرة التي انكشفت  في جيش المسلمين ، حتى قتل منهم سبعون من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، ومثل بأجسادهم بعد قتلهم منهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنو أبيه ، وأحب الناس إليه ، ووصل المشركون إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فهشمت البيضة علي رأسه ، وكسرت سنه الرباعية  ، وجرحت شفته السفلى ، وغاصت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وشج وجهه ، فجعل الدم يسيل علي وجهه المبارك .

وأسرع أبو سفيان بتثبيت هذا النصر المختطف ، وإعلان الظفر ، والتشفي قائلاُ : أعل هبل ، يوم بيوم بدر والحرب سجال . ثم أسرع الإنسحاب من  ميدان المعركة  ؛ ليحافظ علي هذا النصر الخاطف .

وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فجعل يمسح الدم عن وجهه وهو يقول : " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته ، وأدموا وجهه وهو يدعوهم إلي ربهم ؟ اشتد غضب الله علي قوم كلموا وجه رسول الله " . ثم سكت ساعة  ، ثم قال : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " . ثم تنزل الوحي  من الله علي نبيه يجيب عن هذا التساؤل  : ( ليس لك من الأمر من شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) {آل عمران :128 } .

ثم أغفى الزمن إغفاءة مرت فيها عشر سنين جاء فيها نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، ثم لحق صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى ، لنصل إلي طرف القصة الآخر في تخوم اليرموك سنة ثلاث عشرة من الهجرة  حيث زحوف المسلمون تقابل جيوش الروم في المعركة الفاصلة التي ستحسم مصير الروم في بلاد الشام . فإن سألت عن القائد الأعلى لكراديس جيوش المسلمين فهو خالد بن الوليد بن المغيرة ، وإن سألت عن قائد فرقة الموت فعكرمة بن أبي جهل ابن هشام ، وإن سألت عن قائد التوجيه المعنوي فأبو سفيان صخر بن حرب .

يا لله العجب !!  إنهم هم القادة الثلاثة لجيش المشركين في أحد ، فإن سألت عن خبرهم ، فأما عكرمة بن أبي جهل فقد كان ينادى : من يبايعني علي الموت ؟ حتى اجتمع عليه نحو من  أربعمائة كلهم يطلب الموت في هذه المعركة الفاصلة ، لتنتهي المعركة وعكرمة أحد شهدائها ، وأما أبو سفيان صخر بن حرب فقد كان تحت راية ولده يزيد يحمل أعوامه الثمانين ، ويشرف علي الجيش بعين واحدة ، فإنه عينه الأخرى  قد أصيبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطائف ، وهو يصيح يحرض الناس علي الجهاد والثبات وينادي المسلمين : الله الله  ، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب ، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم ، اللهم هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك ، يا نصر الله اقترب . ولك أن تتخيل أثر هذه النداءات في نفوس جيش  المسلمين ، وهم يرون شيخ قريش يتحامل علي أعوامه الثمانين ، ويناديهم هذا النداء ، ويستصرخهم ويستجيشهم، لتنتهي المعركة بنصر حاسم ، وفتح مبين يحوزه للمسلمين قائد جيشهم خالد ابن الوليد بن المغيرة

 

** * وبقي لعبرة الموقف وقفات  :

*1- إن هذا الموقف إذا جمع طرفاء بين أحد واليرموك تبين كيف كانت النقلة مدهشة لهؤلاء الرهط الثلاثة أبي سفيان وخالد وعكرمة، فمن قيادة المشكرين لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،  واستهداف الرسول والرسالة، ومحاولة القضاء المبرم عليها، ثم في ومضة من عمر الزمن يتحول  المشهد إليهم، وهم يقاتلون باستماتة واستبسال عن دين ذاك النبي، ويقودون الجموع رسلاً لرسالته، ومبلغين في دعوته لمعركة مهولة فاصلة ، ليقتل فيها عكرمة، وتفقأ العين الباقية لأبي سفيان، ويفتح علي  خالد .

كل ذلك وقد لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالرفيق  الأعلى،  فلا مجال   

فلا مجال ثمة لرجائه أو خوفه أو مراءاته، ولكنه التشبع العميق بدعوته والصدق مع رسالته، والنظر بعين اليقين إلي صدق موعوده، متجاوزين بذلك العداوة الموروثة عن آبائهم، والثارات المريرة في نفوسهم، وهم العرب أطلب الأمم للثأر، وأحفظهم للترات، وأصلبهم في مداومة العداوة  .  ثم يحدث هذا  الإنقلاب العظيم، ليتحول قادة المعركة ضد رسول الله إلي قادة المعركة لدينه بعد وفاته .

لد أعيد بناء العقل، وتربية النفس، وتأسيس الإيمان، وتحديد الاتجاه، وتجلية الرؤية والرسالة والهدف .

وهذه إحدى النجاحات المبهرة في الدعوة المحمدية ؛ حيث أحييت نفوس كانت مواتاً، فاهتزت وربت  وأنبتت من كل زوج بهيج .

*2-   يأخذك هذا الأدب النبوي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أشد حالات ألمه النفسي والجسدي، يمسح الدم عن وجهه ويقول : " كيف يفلح قوم  شجوا وجه نبيهم ؟ " . إنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يزيد علي طرح تساؤل فلم  يحسم مصائرهم، ولم يتأل عن رسول الله ألا يرحمهم، ولم يستنزل قوارع العذاب  بهم، ولكنه تساءل : هل سيفلح هؤلاء بعد أن فعلوا ذلك كله من قتل خيار المسلمين، والتمثيل بأجسادهم ،  ثم الوصول إلي رسول الله ليناله من الجراحات ما ناله، وليتناثر دمه علي وجهه المبارك ؟ فكيف يفلح قوم هذا عملهم بنبي يدعوهم إلي الله ؟ ! إن لحظة المصاب وشدة الألم النفسي والجسدي لم تكن لتقف  عند حد التساؤل، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلم الخلق بالله وأخشاهم له، ولذا لزم عتبة الأدب مع ربه، ولم يزد علي أن تساءل بلا حسم ولا جزم.

*3- إن هذا الاستبعاد في التساؤل النبوي : " كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ " .  سيتحول إلي جزم  قاطع في المقاييس البشرية، وسيقول  كل من رأى المشهد : لئن يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، كيف وقد بلغوا في  عداوة الرسول والرسالة أقصى مداها ومنتهى غايتها ، وهل أعظم من الجهد في القتال ومحاولة الاستئصال ؟ ومع ذلك ينزل وحي الله ؛ ليقصي علي نبيه، وأفضل خلقه، وأحبهم إليه مصائر الناس ومآلات حياتهم : ( ليس لك من الأمر شيء )  { آل عمران : 128}

وليكون أمر الفلاح النهائي والسعادة الأبدية مما تفرد الله بتدبيره وتقديره، ( قل إن الأمر كله لله)  { آل عمران : 154} ويبقى منتهى القضية إلي علم  الله وتدبيره  ( أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظلمون ) { آل عمران : 128} وكأني بفقهاء الصحابة يستشفون من هذه الآية بشائر توبة الله عليهم، وطلائع هدايته لهم،  حيث بدأ الله بذكر التوبة  قبل العذاب، ويتساءلون : كيف ومتى سيكون ذلك وهذا حالهم ؟  لكن لطف  الله في تدبيره فوق نظر البشر وتقديرهم ( إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم  ) { يوسف : 100 } .

*4- برغم شدة حالة الألم النفسي والجسدي التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعانيها من  مصابه  في أصحابه،  وقتلهم والتمثيل بهم بين يديه، وجراحات  جسده ونزيف الدماء علي وجهه،  وكلمات الشماتة والتشفي التي يسمعها، مع هذا كله إلا أنه استنزل رحمة الله واستدفع : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون "  .  فإذا تأمل  الفطن هذا الدعاء في تلك الحال علم معنى قوله تعالى : (وإنك لعلى خلق عظيم) { القلم : 4}  فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع  عليهم فينصر، ولم يقتصر علي العفر عنهم حتى دعا لهم،  ولم يقتصر علي الدعاء لهم حتى جعل لهم جهلهم بحاله كالعذر،  وإن لم يكن عذراً، وهذا غاية الفضل والكرم التي لا تشارك فيها ولا يوصل إليها .

*5- مع أنه  صلى الله عليه وآله وسلم بالمكانة الأعلى عند ربه جل وعز، وكان يقوم بأشرف وأفضل    مهمة تجاه قومه ، ومع ذلك لما قصد بهذه النكاية الشديدة ما زاد علي هذا التساؤل: " كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ؟ " . من غير حسم لمصائرهم   ولا تأل علي الله في حالهم .

وهذا درس نبوي عظيم في التواضع  وعدم النظر إلي الذات، يحتاجه كثيراً من استغرقوا  في النظر إلي أنفسهم  وملاحظة أعمالهم، فينظرون إلي أنفسهم بعين استحقاق الكرامات،  وأن لهم من المكانة عند الله،  بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال .

 

*6- درس لنا آخر، وهو ألا نيأس في دعوتنا من أحد، ولا نستبعد تغير حاله وصلاحها، فمن كان ينظر إلي حال هؤلاء الثلاثة في أحد لا يمكن أن يتصور – مهما بلغ تفاؤله-  ما انتهى إليه حالهم بعد ذلك، ولذا فلا يصح احتباس الناس رهائن في اللحظة الحاضرة ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم )   { الممتحنة : 7} . وهذا يفتح للنفس آفاق التفاؤل، ويمدها بالرفق والسكينة في الدعوة .

 

جميع الحقوق محفوظة © 2011 , كلمة الاسلام